الشوكاني
482
فتح القدير
ضابحات ، أو ذوات صبح ، ويجوز أن يكون مصدرا لفعل محذوف : أي تضبح ضبحا ، وقيل الضبح : صوت حوافرها إذا عدت ، وقال الفراء : الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت . قيل كانت تكعم لئلا تصهل فيعلم العدو بهم ، فكانت تتنفس في هذه الحالة بقوة ، وقيل الضبح : صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو ليس بصهيل . وقد ذهب الجمهور إلى ما ذكرنا من أن العاديات ضبحا هي الخيل . وقال عبيد بن عمير ومحمد بن كعب والسدي : هي الإبل ، ومنه قول صفية بنت عبد المطلب : فلا والعاديات غداة جمع * بأيديها إذا صدع الغبار * ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح للثعلب فاستعير للخيل ، ومنه قول الشاعر : تضبح في الكف ضباح الثعلب ( فالموريات قدحا ) هي الخيل حين تورى النار بسنابكها ، والإيراء إخراج النار ، والقدح الصك ، فجعل ضرب الخيل بحوافرها كالقدح بالزناد . قال الزجاج : إذا عدت الخيل بالليل وأصاب حوافرها الحجارة انقدح منها النيران والكلام في انتصاب قدحا كالكلام في انتصاب ضبحا ، والخلاف في كونها الخيل أو الإبل كالخلاف الذي تقدم في العاديات . والراجح أنها الخيل كما ذهب إليه الجمهور ، وكما هو الظاهر من هذه الأوصاف المذكورة في هذه السورة ما تقدم منها وما سيأتي ، فإنها في الخيل أوضح منها ، في الإبل ، وسيأتي ما في ذلك من الخلاف بين الصحابة ( فالمغيرات صبحا ) أي التي تغير على العدو وقت الصباح ، يقال أغار يغير إغارة إذا باغت عدوه بقتل أو أسر أو نهب وأسند الإغارة إليها وهي لأهلها للإشعار بأنها عمدتهم في إغارتهم ، وانتصاب صبحا على الظرفية ( فأثرن به نقعا ) معطوف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل ، إذ المعنى : واللاتي عدون فأثرن ، أو على اسم الفاعل نفسه لكونه في تأويل الفعل لوقوعه صلة للموصول ، فإن الألف واللام في الصفات أسماء موصولة ، فالكلام في قوة : واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن ، والنقع : الغبار الذي أثرته في وجه العدو عند الغزو ، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه وقت الإغارة ، ولكونه لا يظهر أثر النقع في الليل الذي اتصل به الصبح . وقيل المعنى : فأثرن بمكان عدوهن نقعا ، يقال ثار النقع وأثرته : أي هاج أو هيجته . قرأ الجمهور " فأثرن " بتخفيف المثلثة . وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بالتشديد : أي فأظهرن به غبارا . وقال أبو عبيدة : النقع رفع الصوت ، وأنشد قول لبيد : فمتى ينقع صراخ صادق * يجلبوها ذات جرس وزجل يقول حين سمعوا صراخا أجلبوا الحرب : أي جمعوا لها . قال أبو عبيدة : وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم انتهى ، والمعروف عند جمهور أهل اللغة والمفسرين أن النقع الغبار ، ومنه قول الشاعر : يخرجن من مستطار النقع دامية * كأن أذنابها أطراف أقلام وقول عبد الله بن رواحة : عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع من كنفي كداء وقول الآخر : كأن مثار النقع رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وهذا هو المناسب لمعنى الآية ، وليس لتفسير النقع بالصوت فيها كثير معنى ، فإن قولك أغارت الخيل على بني فلان صبحا فأثرن به صوتا ، قليل الجدوى مغسول المعنى بعيد من بلاغة القرآن المعجزة . وقيل النقع : شق الجيوب ، وقال محمد بن كعب : النقع ما بين مزدلفة إلى منى ، وقيل إنه طريق الوادي . قال في الصحاح : النقع